انتهيت مؤخرا من قراءة كتاب بعنوان "هجرة المفكرين" لبول بيرمان، والذي يتحدث عن رحيل المفكرين الليبراليين في أوروبا وأمريكا وانجراف من يدعون الليبرالية وراء تصنيفات عامة وأفكار لا تمت للفكر الليبرالي بصلة، فيناقش الكتاب دفاع ليبراليين غربيين عن د. طارق رمضان، أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة أكسفورد، وهو في الحقيقة شخصية مثيرة وله صيت وتبعية كبيرة في أوروبا، إلا أنه ممنوع من دخول بعض الدول العربية مثل مصر والسعودية لاعتراضه على الأنظمة الحاكمة فيها، إلا أن الكاتب بيرمان يوضح أن د. طارق رمضان في نظر المدرسة الليبرالية (الليبرالية الغربية تحديدا) شخص أصولي لا ينبغي لمعتنقي الليبرالية الدفاع عنه وعن توجهاته وأهدافه بالصورة التي يقوم بها المفكرون والصحفيون حاليا في الغرب، بل يقول الكاتب بأن المدافعين عن د. طارق رمضان قد غفلوا عن الأسس المبنية عليها مدرستهم الفكرية وانجرفوا وراء التقسيمات الحديثة لمفاهيم الليبرالية. وللتوضيح لا يعرف بيرمان الليبرالية بتعريف واحد بل يتحدث عن إيمان الليبراليون بأن للحرية قواعد وأسس عالمية لا تتأثر بالعادات والتقاليد وهي مكفولة للجميع دون استثناء
الغريب أن قراءتي للكتاب تزامنت مع الأحداث الاخيرة في الكويت المتعلقة باستجواب رئيس الوزراء، وقراءة ردود أفعال الكتاب الليبراليون في الصحف الكويتية (جريدة القبس بشكل خاص) جعلني أستشعر رحيل كثير من ليبراليينا في الكويت، أولئك الذين تطلعت إلى مقالاتهم وآرائهم بشغف لألتمس قضايا الشارع الكويتي وآلامه وأنا بعيد عن أرض الوطن، إلا أنني تفاجأت ببعدهم عن الشارع وعدم مبالاتهم بما يحدث حولهم من انتهاكات لكرامة الشعب، ابتداء من تعاميهم عن محاولة الحكومة استغلال ثغرات في الدستور لضرب الديمقراطية، إلى صمتهم عن الدفاع عن حق الحصانة الشرعية في قضية النائب فيصل المسلم، وانتقالا إلى تهميشهم للانتهاكات الحكومية التي وقعت في ديوان الحربش وكل الممارسات القمعية المخالفة لأساسيات الليبرالية التي قامت بها الحكومة.
لعل من الصعب الطلب من الأساتذة الأفاضل اتخاذ موقف حازم وطلب التحرك منهم، إلا أن المفاجأة تكمن في رفضهم النقاش الجدي حول الأحداث الأخيرة وتفضيلهم اتباع حجة “خل العجلة تسير” و”كفى تأزيم”، كما بدا للقارئ ارتياح ضمائرهم لما حصل من انتهاكات، بل الأغرب من ذلك انجراف بعضهم وراء مناقشة أمور جانبية كانت تحدث أثناء الهجمة على الدستور كمنشور الحجاب في جامعة الكويت وقانون إطلاق اللحية للعسكريين (وهي قضايا هامة لكن هامشية مقارنة بالانتهاكات الدستورية محل النقاش)، بل إنني على يقين أن البعض من الكتاب شعر بالارتياح للعودة إلى العراك القديم مع مدارس الفكر الإسلامي لكي يتجنب الكتابة والتفكير في انتهاك الحريات والكرامات وعلاقة الحكومة بالفرد التي هي أساس الليبرالية.
مما لا شك فيه أنه يوجد اختلاف فكري كبير بين المدرسة الإسلامية والمدرسة الليبرالية، إلا أنه في الآونة الأخيرة نلاحظ أن كثير من الكتاب الليبراليين في الكويت باتوا يقتصرون على معارضة الأجندة الإسلامية لا أكثر (وهي أجندة لا أتفق أنا أيضا معاها)، إلا أنني أخشى تحول التفكير الليبرالي من مدرسة مبنية على دراسة العلاقة بين الحكومة والحريات الشخصية إلى أداة شغلها الشاغل الرد على أجندة غيرها.
لربما كان من الأفضل ان نبارك التحالف الإسلامي- الليبرالي الذي حصل مؤخرا في الكويت، وهو بالواقع أصبح متواجدا في كثير من الدول المجاورة، ففي مصر يعمل الإخوان المسلمون مع اليساريين والأقباط لأن ما يجمعهم أكبر من ما يفرقهم، ولقد شهد مجلس الشعب السابق في مصر تعاونا غير مسبوق من قبل الإخوان المسلمين مع نواب أقباط ويساريين، والتحالف الإسلامي- الليبرالي أصبح أيضا واضحا في لبنان بين حزب الله وحزب وليد جنبلاط من جهة، وبين حزب ميشيل عون من جهة أخرى، الحال ذاته في إيران مع تحالف موسوي مع كروبي، كما أن السيد مقتدى الصدر أبدى مؤخرا رغبته في دعم الحكومة في العراق وأثنى على دورها وأنه يتطلع للتعاون معها.
الذي يحدث في العالم العربي ليس بعيدا عن الكويت، الإسلاميون في كل مكان أدركوا دور الديموقراطية وأهميتها في للحياة السياسية، فمن كان يرى بالأمس أن الديموقراطية ومجلس الأمة بدعة أصبح اليوم يؤمن بها كأداة يمارس من خلالها حقوقه، فالممارسة الديموقراطية السليمة جعلت من الإسلاميين دستورين، وكلنا نذكر أول انتخابات شاركت بها المرأة الكويتية، ونذكر تكريس النائب وليد الطبطبائي ما لا يقل عن سبع ندوات خاصة بالسيدات لكي يحصل على أصواتهم، هذا لأنه ادرك اهمية الديموقراطية وأهمية مواكبته التغيرات لكي يفوز.
هذه التغيرات التي طرأت على الجماعات الإسلامية الناتجة عن إدراكها للديموقراطية وأهميتها يجب أن تستقبل بترحيب (ومراقبة) من قبل الليبراليين، فلا ينبغي علينا أن ننتقد التحالف بل يجب أن نسعى من خلاله للدفع بالمزيد من الديموقراطية، كمراجعة قانوني المطبوعات والمرئي والمسموع كخطوة أولية (وكم أتمنى إلغاءهم بالكامل)، بعد ذلك يصبح دور المفكرين الليبراليين خلق حوار ونقاش بناءين مع عقلاء الفكر الإسلامي والإبتعاد عن دوامة الاحتقان الحاصلة في الوقت الحالي.
ما أدعو له هو أن نكف عن النظر للتحالف بين النواب الوطنيين والإسلاميين في مجلس الأمة على أنه يمثل تخلي الليبراليين عن مبادئهم، بل لننظر إليه كاعتناق الإسلاميين للديموقراطية والدستور، ففي ذلك فرصة لا تعوض للدفع بالنقاش الفكري البناء باتجاه مجتمع ونظام سياسي أكثر ديموقراطية.
أعتقد أننا لو عدنا إلى السيد بيرمان فإنه سيصنف إسلاميينا في الكويت كأصوليين، وينتقدهم كما ينتقدهم الليبراليون العرب، إلا أنني اعتقد ان السيد بريمان يدرك اختلاف الظروف السياسية بين العالم العربي وأوروبا، بل أعتقد أيضا انه سوف يبارك التحالف الإسلامي- الليبرالي في الكويت، لأن الواقع يشير إلى أن الساحة الفكرية العربية تشهد تغيرات كبيرة، خصوصا في التيارات الإسلامية، فهي في اعتقادي أصبحت أكثر إدراكا لفكرة المجتمع المدني وفكرة الدولة الحديثة، وبالطبع لن يكون المشوار سهلا على الليبراليون فهم عليهم قيادة مسيرة النقاش ووضع الركائز والأسس لقيام دول ديموقراطية، ولا شك أنهم سيواجهون معارضة قوية من بعض الجماعات الإسلامية التي لاتزال متشبثه بالأصولية، إلا أنه في هذه المرة يقف بجانب الليبراليين قوى لا يستهان بها من الإسلاميين الذين صاروا أقل أصولية وأكثر مدنية بفعل الممارسة الديمقراطية.
Monday, January 10, 2011
أين ذهب الليبراليون؟
Thursday, December 09, 2010
لا أملك القدرة على إبتكار عنوان


Wednesday, December 08, 2010
أسيـــــــل
Thursday, September 30, 2010
إلى مبارك الدويلة مع التحية

المحافظة على الوضع العام= maintaining the status-quo
Saturday, August 14, 2010
حول المسرح
Saturday, July 03, 2010
Wednesday, March 24, 2010
قراءة في الإستجواب

تدخل الكويت مرحلة جديدة في تاريخها بعد إقرار الخطة الخمسية للدولة، ، مرحلة ركود و تغيرات لم تشهدها من قبل، لكن لا شك ان في المرحلة المقبلة ستشهد تجاذبات طبيعية بين السلطتين حول تطبيق الخطة وعناصرها، إلا وأن وجود خطة يعطى مصداقية ومرجعية لكل ما ممكن ان يحصل. تعد الخطة الخمسية هي الأولى منذ ثلاث وعشرين عام، مما يعني انها مسودة لمرحلة جديدة. فمنذ زمناً ليس بالقصير ونوابنا يطالبون بالخطة و بالتنمية والتطوير، وبما ان بدأت عجلة التنمية بالدوران بإقرار الخطة، فلا يسعنى كشعب ونواب إلا أن نلتفت إلى أمور أخرى، ولعل اهمها في نظري رفع سقف الحريات العامة في البلد.
في عام 1787 إجمتع ممثل 12 ولاية أمريكية لصياغة دستور جديد للولايات المتحدة الأمريكية إلا أنهم لم يفضوا الإجتماع إلا بعد موافقة مبدأية على تقديم إضافات بعد عام من المصادقة على الدستور، فصادقت الولايات ال12 على الدستور في 1788 وفي عام 1789 قدم جيمس مادسون عشرت إضافات وافق عليها مجلس الشيوخ عرفت بالbill of rights، وتنص هذه المواد العشر على صون الحقوق الأساسية لجميع أفراد المجتمع الأمريكي. و الأهم من ذلك وضعت هذه القوانين العشر الحقوق الفردية بعيداً عن متناول اي جدل قانوني قد ينشب مستقبلاً وأبطلت أي خلاف حول حرية التعبير عن الرأي أو حرية العقيدة.
يواجه وزير الاعلام تصويت على طرح الثقة من بعد إستجوابه حول تطبيق قانون المرئي والمسموع، وتسارع النواب بتأيدهم الاستجواب وتفواتهم على طرح الوحدة الوطنية ضاربين حقوق الإنسان في التعبير عن رأية بعرض الحائط.
واجب الحكومة في تطبيق القوانين أمر لا خلاف عليه، إلا أن الخلاف هنا حول تقيد حرية التعبير عن الرأي بقوانين، كقانون المرئي والمسموع وقانون المطبوعات. فتنص المادة 36 من دستور الكويت على حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة, ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرهما، إلا أن في المادة جزيئة أشبه بحصان طارودة وهي التي تنص بأن تكون هذه الحرية مقيدة بما ينص عليه القانون،وإن هذه الجزيئة هي التي سببت لنا كل الخلافات والمشاكل حول حرية التعبير عن الرأي، فمنع الكتب وقمع الأراء ومنع زوار الكويت نابع من هذه الجزيئية الصغيرة، ولعله حان الوقت للتلخي عن الجزيئة وصياغة قاونين أكثر وضوحاً، قوانين تضع الحقوق والحريات الشخصية بعيداً عن اي محل خلاف سياسي تماماً كما فعلت الاضافات في الدستور الأمريكي. ولكن التخلي عن هذه الجزئية لا يعني إباحة السب والقذف و التعدي على الأخرين.
إنني أضن أنه في الإستجواب المقدم فرصة للنواب لمعارضة القانون ومناقشته مناقشة جدية تظهر ابرز عيوبه وأبرزها تعارضه مع المادة ال19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي لا تقيد حق التعبير بمواقع جغرافية ولا قوانين موضعية. كون القانون مقر أو مصدق عليه لا يعني بالضرورة انه قانون صحيح وعادل. فالمطلوب والواجب علينا ككويتين فك القيود عن الحريات الشخصية لتكتمل ديموقراطيتنا، وأما واجب نوابنا الأفاضل فهو بالإمتناع عن التصويت في طرح الثقة على الوزير بسبب عدم الاقتناع بقوانين تقيد الحريات.
